الشعب الإيراني منذ عام 1979 يتحمل الحصار الاقتصادي المفروض من قبل الولايات المتحدة وأغلب دول أوروبا، والذي زادت حدته هذه الأيام بشمول الشركات والدول التي ستتعامل مع النظام الإيراني، بعد فشل الضربات العسكرية منذ 28 فبراير 2026.
راهنت أمريكا وإسرائيل وأوروبا ودول القواعد الأمريكية على إحباط الشعب الإيراني لإسقاط نظامه، ووجه ترامب نداءً للشعب للخروج على النظام الذي يستخدم ثرواته لإنفاقها على ما وصفه بالمليشيات الإرهابية. غير أن الشعب الإيراني فاجأ الجميع بالخروج إلى الميادين العامة بمختلف المحافظات الإيرانية البالغ عددها 31 محافظة، تأييداً ونصرة للنظام الذي كان يسعى الصهاينة لإسقاطه.. ومنذ أكثر من 6 أشهر والشعب لا يفارق الميادين.
الشعوب دائماً تسعى للحفاظ على وحدة أراضيها وسلامة دولتها، خاصة عندما تستشعر أن نظامها الحاكم يسعى لإزالة الأعباء عنها وليس خنقها، ويحافظ على سيادتها الوطنية وأراضيها وأملاكها العامة، وليس بيعها لسداد ديون ورطها فيها النظام.
والفرق بين الشعب الإيراني وشعوب أخرى بالمنطقة، أن الإيراني عاش زمن الحصار ولم يتأثر في صحته وتعليمه، وإن كان يعاني أزمة اقتصادية يسعى نظامه للحد من وطأتها. فمثلاً عندما تظاهر عدد من أبناء الشعب ضد غلاء الأسعار مع بداية يناير 2026، كانت استجابة النظام سريعة ومباشرة؛ فبدلاً من اللجوء للحلول الأمنية أو التهرب من المسؤولية، أقر رفعاً للأجور والرواتب بنسبة تتراوح بين 48% و60% للحد الأدني، ووسع مظلة الدعم التمويني لتغطي 61 مليون، وفي بعض حزم التموين الشاملة تصل التغطية إلى نحو 80 مليون مواطن، أي ما يعادل نحو 90% من إجمالي السكان في إيران. وزاد عدد السلع لتغطي 11 سلعة أساسية بدلاً من 7 سلع فقط.
النظام الإيراني لم يلغ الدعم بسبب أزمة فرضت عليه من الخارج، بل حافظ عليه وزاد من عدد المنتفعين، بينما يُلغى الدعم عن الشعوب في دول أخرى بالمنطقة بسبب أزمات اقتصادية هي في الأساس من صنع الأنظمة لا بفعل حصار أجنبي.
الشعوب ـ غالبية الشعوب ـ غير معنية بالديمقراطية الصورية التي تعني مجرد حرية تداول السلطة وصناديق الاقتراع الشكلية؛ هي معنية بالحرية الحقيقية التي تضمن حق الفرد في الحصول على ملبس، ومسكن، وفرصة عمل، وتعليم وصحة جيدين. وهذه الحرية تُمنح من خلال وجود نظام اقتصادي قائم على عدالة توزيع الثروات، وأن تكون مقدرات الوطن (ثرواته وموارده) بيد الدولة لصالح الشعب، وليس بيد مجموعة من الأفراد أو رجال الأعمال. وليس بيعها لسداد الديون التي تحتاج لقدرات خارقة لسدادها.
في إيران، يدرك الشعب أن نظامه يخوض حرباً دفاعاً عن سيادته، بمقاومة المحتل الصهيوني الذي جاء من أقاصي الأرض ليغتصب مقدرات المنطقة، وأن دعم المقاومة العربية جزء من العقيدة الإيرانية لمواجهة الاستعمار، ودعم المقاومة الفلسطينية عقيدة دينية لتحرير القدس والأراضي المحتلة. ما تقوم به إيران وشعبها عمل بطولي كان الأولى أن تقوم به الدول العربية وتركيا الداعين لزعامة العالم الإسلامي، بدلاً من التصريحات والخطب الرنانة والسياسات التطبيعية التي تم من خلالها التفريط في أولى القبلتين، تاركين الشعب الفلسطيني وجنوب لبنان للذبح الصهيوني بشكل يومي، ومساهمين في تمزيق دول المنطقة.
الشعوب تقف دائماً خلف من ينصفها. ومثالاً على ذلك: لماذا يعيش جمال عبد الناصر في قلوب وعقول أكثر من 90% من أبناء الأمة إلى اليوم ؟.. ولماذا يناصر الشعب الإيراني نظامه رغم عقود من الحصار العسكري والاقتصادي ؟
لأن عبد الناصر والنظام الإيراني، رغم انعدام التعددية الحزبية التقليدية، وفروا لشعوبهم الحرية الاجتماعية والكرامة التي تستقطع حالياً. ولم يكونوا يوماً يتغنون بما لا يفعلون.. عبد الناصر مثلاً لم يتباه يوماً بديمقراطية وتعددية وهمية، كان واضحاً وصريحاً حين ألغى الأحزاب لأنها كانت فاسدة وتعمل إما لصالح الاحتلال أو القصر، وكان يرى أن الديمقراطية الحقيقية تبدأ من التمكين الاجتماعي للفقراء والطبقة المتوسطة، وتبدأ من القاعدة للقمة، لا من برلمانات يتصدرها رجال مال لا يُعرف مصدر ثرواتهم، أو مجموعة من أصحاب الحظوة والمحسوبية. حتى المناصب التنفيذية، كان يمنحها لذوي الخبرة والكفاءة لا لأهل الحظوة والثقة؛ وكان يعمل لبناء الوطن لا لمجده الشخصي وأبرز مثال على ذلك: مشروعه الملحمي في بناء السد العالي، الذي شرع في تنفيذه عام 1960، وافتُتح رسمياً في 15 يناير 1971، أي بعد وفاته ببضعة أشهر. وفي بناء السد حكاية إرادة وإدارة؛ فقد أسند مهمة الإشراف الكامل على هذا المشروع القومي العظيم للمهندس "صدقي سليمان"، رجل المهام الصعبة والكفاءة الميدانية، الذي أدار العمل بالانضباط والنزاهة، ومنحه عبد الناصر صلاحيات رئيس الجمهورية في بناء السد، ليثبت أن الدولة الوطنية عندما تبني لمستقبل أجيالها، تضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وتتحمل الضغوط الدولية والتمويلية لتبقى أصول الوطن وموارده ملكاً خالصاً لشعبه.
عبد الناصر ترك لنا إرثاً صناعياً وزراعياً، وأحبه الشعب لأنه وفر الحرية والعدالة الاجتماعية الحقيقية وحارب الفساد .. وانحاز للانتاج الحقيقي وليس أقتصاد الخرسانة، وانحاز للمواطن البسيط في مقابل فساد الأحزاب القديمة. ولم يصنع أحزاباً يوزع عليها تورتة المجالس النيابية التي يتم الوصول إليها بملايين الجنيهات التي تدخل خزانة الأحزاب.
عاش عبد الناصر عيشة شعبه لم يقم في قصر رئاسي، بل ظل في منزله القديم، براتبه البالغ 500 جنيه ، وكان يأكل كما شعبه وهنا يقول الدكتور مصطفى الحفناوي عندما استدعاه عبد الناصر ليخبره بتأميم قناة السويس لاستعادتها للشعب المصري، وكتابة قرار التأميم، لم يجد في ثلاجة منزل رئيس جمهورية مصر العربية وزعيم العرب وإفريقيا ودول العالم الثالث سوى بقايا "كبدة". كنت سعيد الحظ عندما أجريت حواراً في تسعينيات القرن الماضي لجريدة الصباح التونسية ـ على ما أتذكر ـ مع أبنته الدكتورة هدى عبد الناصر التي قالت "كنا ناكل اللحم يومين في الأسبوع، والدجاج مرة، والسمك مرة، وباقي أيام الأسبوع نأكل العدس والبصارة وماتوجد به والدتنا وفقاً لما هو متاح".
يعيش جمال عبد الناصر والنظام الإيراني لإدراك شعوبهم أنهما يعملان لصالح الوطن وسيادته والمواطن ، لأن الوقوف ضد الهيمنة الخارجية أو التهديد الأجنبي يدمج خيار الشعب بخيار السلطة، فيصبح استهداف النظام استهدافاً للوطن نفسه، لذلك يقف الشعب الإيراني خلف نظامه، ووقف الشعب المصري رافضاً تنحي عبد الناصر عقب هزيمة 5 يونيو 1967.
الشعوب يا سادة تسامح النظام على صعوبة الظروف إذا شعرت أن "العبء مقسم بالعدل" وأن الدولة حامية للملكية العامة وليست مجرد وسيط لتصفيتها. ولا تنقلب على أنظمتها لمجرد ضائقة اقتصادية فرضها الأعداء، بل تنقلب عندما تباع أصولها، ويُلغى دعمها، وتُسلب إرادتها الوطنية لحساب قوى خارجية، وقلة من المنتفين بالداخل، وتصبح أزماتها نتيجة خيارات السلطة لا نتيجة معارك الشرف والسيادة.
--------------------------------------
بقلم: محمد الضبع






